في الذاكرة… الاب جيكو الروداني الذي أسس جزءا من الذاكرة الرياضية المغربية
في تاريخ الرياضة المغربية، هناك أسماء صنعت الألقاب، وأخرى صنعت المؤسسات. أما الأب جيكو، فقد صنع مدرسة كاملة في التسيير والتكوين، وترك إرثًا لا يزال ينبض بالحياة في كل مرة يلتقي فيها الوداد والرجاء في ديربي الدار البيضاء.
اسمه الحقيقي محمد بن الحسن العفاني، وينحدر من قبيلة إيسافن الأمازيغية بضواحي مدينة تارودانت، تلك الأرض السوسية التي أنجبت العديد من رجالات الفكر والسياسة والثقافة، وأضافت إلى سجلها رجلًا سيصبح لاحقًا أحد أبرز مؤسسي كرة القدم الوطنية.
لم يكن الأب جيكو مجرد مدرب يقف على خط التماس، بل كان رجل تنظيم وإدارة ورؤية. فعندما تأسس نادي الوداد الرياضي سنة 1937، كان إلى جانب الرئيس الأول عبد اللطيف بن جلون، حيث تولى مهمة الكاتب العام للنادي، بينما كان في الوقت نفسه يشرف على الجوانب التقنية للفريق، وظل يقوده بين سنتي 1937 و1945، واضعًا اللبنات الأولى لهوية النادي الرياضية والتنظيمية.

غير أن الشخصيات الكبيرة كثيرًا ما تصنعها لحظات الخلاف. فقد نشب خلاف بين الأب جيكو وعبد اللطيف بن جلون، بعدما رفض المدرب الروداني تدخل الرئيس في القرارات التقنية المرتبطة بتدريب الفريق. كان يؤمن بأن لكل مجال اختصاصه، وأن نجاح أي مؤسسة رهين باحترام حدود المسؤوليات.
واستغل مكتب الوداد سفر الأب جيكو لعقد جمع عام جرى خلاله إعفاؤه من مهامه ككاتب عام، وهو القرار الذي اعتبره مساسًا بمكانته وبالمشروع الذي ساهم في بنائه منذ البداية. لم يدخل الرجل في صراعات أو معارك إعلامية، بل اختار أن يرد بالطريقة التي كان يجيدها أكثر: البناء.
غادر الوداد، لكنه لم يغادر حلمه. وعلى مدى سنتين، ظل يجوب أحياء وأزقة الدار البيضاء، يبحث عن المواهب الكروية الشابة، ويجمع اللاعبين واحدًا تلو الآخر، مؤمنًا بأن النادي الكبير يبدأ بفكرة، ثم برجال يؤمنون بها.
وفي سنة 1948، أعلن ميلاد نادي الرجاء الرياضي، ليكتب بذلك واحدة من أكثر الصفحات إثارة في تاريخ الرياضة المغربية. فالرجل الذي شارك في تأسيس الوداد، هو نفسه الذي أسس الرجاء، لتصبح المنافسة بين الفريقين، بعد عقود، واحدة من أشهر الديربيات في القارة الإفريقية والعالم العربي.
هذه المفارقة التاريخية تجعل الأب جيكو حالة فريدة في تاريخ كرة القدم؛ فهو ليس مجرد اسم ارتبط بفريق معين، بل شخصية صنعت قطبي الكرة البيضاوية معًا، وأسست لثقافة رياضية ما تزال تؤثر في ملايين المغاربة.
لقد حمل معه من تارودانت ومن قبيلة إيسافن قيم الصبر والانضباط والعمل الميداني، وترجمها إلى مشروع رياضي سبق زمنه. ولذلك لم يكن لقب “الأب” مجرد لقب عابر، بل اعترافًا بدوره التربوي والإنساني، قبل أن يكون اعترافًا بإنجازاته الرياضية.
واليوم، كلما اشتعلت مدرجات الوداد والرجاء، يعود اسم الأب جيكو ليذكر الجميع بأن أعظم المنافسات قد يولدها رجل واحد، يؤمن بأن الاختلاف لا يكون نهاية الطريق، بل بداية مشروع جديد. ومن قلب سوس، ومن ربوع تارودانت، خرج ذلك الرجل الذي لم يؤسس فريقين فقط، بل أسس جزءًا من الذاكرة الرياضية المغربية.

